ابن الجوزي

175

صيد الخاطر

قلت : لك عن الغرض عوض ، ومن كل متروك بدل ، وأنت في مقام مستعبد ولا يصح للأجير أن يلبس ثياب الراحة في زمان الاستئجار ، وكل زمان المتقي نهار صوم ، ومن خاف العقاب ترك المشتهى ، ومن رام القرب استعمل الورع ، وللصبر حلاوة تبين في العواقب . 126 - اترك عاجل الهوى لآجل الثواب من نازعته نفسه إلى لذة محرمة فشغله نظره إليها عن تأمل عواقبها وعقابها ، وسمع هتاف العقل يناديه : ويحك لا تفعل ، فإنك تقف عن الصعود ، وتأخذ في الهبوط ويقال لك : ابق بما اخترت . فان شغله هواه ، فلم يلتفت إلى ما قيل له ، لم يزل في نزول ، وكان مثله في سوء اختياره كالمثل المضروب ، ان الكلب قال للأسد : يا سيد السباع ، غيّر اسمي فإنه قبيح . فقال له : أنت خائن ، لا يصلح لك غير هذا الاسم . قال : فجربني . فأعطاه شقة لحم وقال : احفظ لي هذه إلى غد وأنا أغير اسمك ، فجاع وجعل ينظر إلى اللحم ويصبر ، فلما غلبته نفسه قال : وأي شيء باسمي ، وما كلب الا اسم حسن ؟ فأكل . وهكذا الخسيس الهمة ، القنوع بأقلّ المنازل ، المختار عاجل الهوى على آجل الفضائل . فاللّه اللّه في حريق الهوى إذا ثار ، وانظر كيف تطفئه ، فرب زلة في بئر بوار ، ورب أثر لم ينقلع ، والفائت لا يستدرك على الحقيقة ، فابعد عن أسباب الفتنة ، فان المقاربة محنة لا يكاد صاحبها يسلم والسلام . 127 - مجاهدة المتقين رأيت الخلق كلهم في صف محاربة ، والشياطين يرمونهم بنبل الهوى . ويضربونهم بأسياف اللذة . فأما المخلطون فصرعى من أول اللقاء ، وأما المتقون ففي جهد جهيد من المجاهدة ، فلا بدّ مع طول الوقوف في المحاربة من جراح فهم يجرحون ويداوون ، الا أن القتل محفوظ ، بلى ، إن الجراحة في الوجه شين باق « 1 » فليحذر ذلك .

--> ( 1 ) يريد انهم أمنوا القتل ، ولم يأمنوا الجراح ، مثل بذلك للمتقين ، لا يقعون في الكفر لكن لا يخلصون من المعاصي - وهذه الجملة مثال على تعقيد المؤلف وقصور تعبيره أحيانا .